Follow us on
Search
Or combine different search criteria.

Blog

مسائل أخلاقية في سياق حوكمة الجامعات

Average: 3.3 (78 votes)
May 25, 2016 / 0 Comments
   

يبدو أن الجامعات الجزائرية حددت رؤية ونهجا ومنهجية فيما يتعلق بمفهوم الحوكمة، التي تهدف إلى مساعدتها على تحسين ممارساتها الإدارية تدريجيا. وفي حين أنه من الصواب أن الجامعة التي تنشد التميز يجب أن تتبع الإرشادات والمعايير، فإنه يتعين عليها أيضا أن تتبنى عقلية وطريقة تفكير ملائمة لتطورها. ولم تركز مواطن الخلل التي تمت الإشارة إليها في أحدث مؤتمر وطني، عقد في يومي 12 و 13 يناير/كانون الثاني 2016 لتقييم الخطط المتعلقة بدرجات الليسانس والماجستير والدكتوراه، على البعد الإداري. في بعض الأحيان، فإن مسألة البعد الأخلاقي للحوكمة (الشفافية، والمساءلة، وتجنب تعارض المصالح، وصنع القرار العادل، إلخ) تظل في الأغلب الأعم أحد المكونات الغائبة، رغم تطبيق الإرشادات والقواعد والبروتوكولات ذات الصلة بالحوكمة الرشيدة والتحسين المستمر. ومع ذلك، تبدو هذه العملية أكثر شبها بتطبيق مجموعة من المعادلات وأقل شبها بغرس التوجهات والمعتقدات والقيم التي تتوافق على نحو أكبر مع النهج الإداري الذي يجب أن يتركز التأكيد فيه على الجودة والكفاءة.

 

ومع ذلك، فإن الحوكمة، التي تفهم على أنها " السلوك الذي من خلاله تقوم الجامعات، وعلى نحو أعم، مؤسسات التعليم العالي بتحديد أهدافها وتحقيقها، وإدارة مؤسساتها، ومراقبة النتائج" (البنك الدولي، يونيو/حزيران 2012، تقرير عن حوكمة الجامعات في الجزائر)، لا تكون مكتملة بدون إضافة عدد من المبادئ الأخلاقية الضرورية التي تهدف إلى إعادة تنظيم الجامعات، التي فقدت بريقها بين المواطنين داخل المجتمع. وفي هذا الشأن، وفي المؤتمر الدولي لعام 2009 حول التعليم العالي، اعترف السيد كوشيرو ماتسوورا مدير عام منظمة اليونسكو " بالمسؤولية الأخلاقية والإستراتيجية للتعليم العالي في المجتمع العالمي اليوم" (ماتسوورا إم، 2009 : 1)، خاصة وأن الجامعات ينبغي أن تستند على نُهج صنع القرار التي تتطلب مستوى أعلى من التعاون والتفاوض مما يؤدي إلى نُهج أكثر توافقية مع أساليب التنظيم العامة.

 

فهل ينبغي أن يعاد النظر في الحوكمة، وكذلك في نطاقها وأثرها؟ نعم، إذا كان لدى أصحاب المصلحة رؤية ضيقة أو نهج تطبيقي يُنظر فيهما إلى الحوكمة باعتبارها التطبيق الخالص والبسيط للإجراءات، وينظر إلى العمليات الأخرى باعتبارها مجرد دليل إرشادي ملائم. ومع ذلك، إذا كانت حوكمة الجامعات أكثر من مجرد عملية فنية بحتة، فينبغي إذن إعادة النظر إليها باعتبارها كتلة واحدة تتطلب أيضا غربلة الإجراءات التي تتخذها الجامعات من خلال عدسة أخلاقية أوسع نطاقا؛ بحيث لا تكون محصورة فيما تتبناه دون دراسة ما يعد بوجه عام مبادئ خارجية.

 

ومما لا ريب فيه أن الهدف النهائي لهذه الحوكمة ينبغي أن يكون تشكيل مواطني القرن الواحد والعشرين الذين يعتنقون التكنولوجيا ويملكون المعارف والمهارات، غير أنهم أيضا ملهمون بالقيم ويجنحون إلى تبني التسامح. وهذا الأمر ضروري حتى إن كانت المؤسسات الأكاديمية لم تحقق نجاحا كاملا في عملية التمازج الثقافي لأنها تتعرض للتعويق كل عام من جراء إدارة أعداد الطلاب المتنامية والأنشطة التربوية غير المنسقة التي يقوم بها مسؤولو التدريب، والتي لا ترتقي نتائجها عادة لمستوى توقعات المجتمع. وتبعا لذلك، فإن الحوكمة الجيدة، التي يتعين أن تلتزم بمدونات السلوك التي تساند المكونات التفاعلية المتعلقة بالمعاملات في إطار محددات الجامعة (المعايير الأخلاقية في الإدارة والحوكمة)، ليست مجرد تطبيق الآليات التنظيمية وحسب، بل أيضا بناء وتعزيز الاتساق الكلي. وعلى ذلك، من أجل معالجة قضية الاختلاف، يفرض باقي أصحاب المصلحة نهجا أخلاقيا في تنظيم وإدارة الجامعة محل الالتباس.

 

إن الحوكمة الرشيدة، أولا وقبل كل شيء، هي سياسة جامعية شكلتها وجهات نظر وتوقعات تُستخدم لتنعكس على المستقبل وتتجهز له؛ إنها تمثل إرادة أصحاب المصلحة في النظر نحو المستقبل والتكيف على نحو أفضل مع الجيشان الذي يحدث في أنحاء العالم. إن الحوكمة الرشيدة هي استراتيجية من حيث إنها تمنع الأفراد من الانغماس في مشكلات لا وجود لها، وتقديم بدائل في كل مجال، وكذا من تبني نهج "القص واللصق" الروتيني المستخدم في التدريب الضيق الأفق والذي كان يقدمه النظام السابق، وكان يُكرر أحيانا، دون تعديل، في عدد من برامج التدريب الخاصة بالليسانس والماجستير والدكتوراه. لذا، يتعين أن تسير الفاعلية جنبا إلى جنب مع القيم الأخلاقية والمعنوية وكذلك المساءلة.

 

لا يمكن للمجتمع الأكاديمي المضي قدما (في مجالات الإبداع، أو البحث، أو التربية) بدون استيعاب القيم التي ينبغي أن تميزه. وهذا لا يعني أنه ينبغي أن يركز على الإدارة على حساب العنصر البشري. والنهج الأخلاقي نحو الحوكمة وفي تطبيقها هو بالفعل مجموعة من القيم والفضائل (الولاء، والعدل، والسرية، والتسامح، والشفافية، والمساواة) التي من شأنها أن تقود إلى حوكمة مدنية أكثر فاعلية وكفاءة. وليس الأمر مجرد تجميل شكلي أنيق لبناء جامعة قادرة على مواجهة تحديات الغد. والحوكمة التشاركية وحدها ستيسر عمليات صنع القرار المغرقة في الأخلاقيات. ومن خلال وجود الأخلاقيات في الحوكمة، يحدث توازن بين الرؤى المعارضة والمصالح فيما بين الأطراف المختلفة، وذلك من أجل السماح للجامعات بالقيام بدورها في التواصل والتنظيم على النحو الكامل.

 

هذا المقال هو جزء من سلسلة مدونات تضم وجهات نظر مجموعة من خبراء التعليم العالي بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في ما يخص مجال التعليم العالي في بلدانهم فضلا عن أراهم في "بطاقة قياس حوكمة الجامعات"، وسيلة مبتكرة تمكن الجامعات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من أن تقارن نفسها مع المعايير الدولية، ولتحديد مجموعة فريدة من الأهداف ووضع معايير لتقييم التقدم المحرز في تحقيقها. قام برنامج التعليم العلي بالبنك الدولي و مركز التكامل المتوسطي بتطوير هذه البطاقة، وقامت 100 جامعة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بتطبيقها.

محمد ميلياني

أستاذ حاصل على درجة الدكتوراه في علم أصول تدريس اللغات الأجنبية، ودرجة الماجستير في التعليم. وهو نائب رئيس اللجنة الوطنية لتقييم مؤسسات التعليم العالي، ومسؤول ضمان الجودة، وعضو اللجنة العلمية بمعهد بحوث التعليم الوطني (وزارة التعليم الوطني)، وعضو اللجنة المعنية بالتوحيد القياسي للإصدارات. وتركز أبحاثه أيضا على تطبيق ضمان الجودة في التعليم العالي. وهو رئيس المشروع البحثي "الأخلاقيات المهنية وممارسات التدريس، بمركز بحوث الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية". ويتضمن بحثه القصير الأجل تقديم نموذج شامل بشأن الجوانب الأخلاقية في مهنة التدريس لمدرسي المستقبل.

Comments

Leave Your Comment